الفيضانات تفضح فشل الدولة في إدارة الكوارث المناخية
شهدت تونس خلال الأيام الماضية موجةً كارثيةً من الأمطار الغزيرة، تحولت إلى فيضانات عارمة اجتاحت عدة ولايات، كان أبرزها ولايات المنستير ونابل وتونس الكبرى. وقد أسفرت هذه الكارثة، وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن الحماية المدنية والمعهد الوطني للرصد الجوي، عن مقتل أربعة مواطنين في مدينة المكنين بالمنستير، بينهم امرأة جرفتها المياه فيما أعلنت السلطات عن إغلاق المؤسسات التعليمية في 15 ولاية على الأقل، بما فيها العاصمة، وتوقف العديد من الخدمات العامّة. وقد وصف مسؤولون الوضع بأنه "صعب جدًا"، في مؤشر على حجم الضرر الذي طال البنية التحتية والحياة اليومية للمواطنين.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن كميات الأمطار المسجلة كانت استثنائية، حيث لم تشهد مناطق مثل المنستير ونابل وتونس الكبرى مثيلاً لها منذ جانفي 1950، أي منذ أكثر من سبعة عقود. لكن وراء هذه الأرقام المناخية القياسية، تكشف المعطيات الميدانية والتقارير الرقابية السابقة صورةً أكثر قتامةً تعود جذورها إلى إخفاقات متراكمة. فالتوسع العمراني العشوائي، الذي تم بمعزل عن مخططات التهيئة الترابية التي تحظر البناء في أحواض السكب ومناطق الخطر المعلنة، أدى إلى تحويل مجاري المياه الطبيعية إلى مساحات سكنية هشة. وقد أظهرت معطيات سابقة أن أكثر من نصف مشاريع أمثلة التهيئة الترابية، التي تُعد الإطار القانوني الملزم للبناء، كانت جاهزة للنظر ولم تتم المصادقة عليها، مما ترك مجالاً واسعاً للتجاوزات.
من ناحية أخرى، تبقى البنية التحتية لتصريف مياه الأمطار في حالة متردية. فشبكات الصرف في العديد من المدن، خاصة سريعة التوسع إما قديمة أو غير كافية أو مسدودة بسبب سوء الصيانة. وتقرير سابق للديوان الوطني للتطهير كشف أن عملية جرد شبكات تصريف الأمطار لم تشمل سوى ثماني مدن فقط، مما يعكس غيابًا تامًا للتخطيط الاستباقي. كما أن التنسيق بين الوزارات المعنية، مثل التجهيز والفلاحة والبيئة، ظل غائبًا، حيث تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، مما أفقد المشاريع الوقائية أي فعالية ميدانية.
هذه الكارثة رغم شدتها، لم تكن مفاجئة. فقد سبقتها تحذيرات عديدة من خبراء ومختصين، وتكررت مشاهد الشوارع الغارقة والمنازل المتضررة في كل شتاء، وإن بدرجات متفاوتة. ما حدث في جانفي 2026 هو تتويج مأساوي لسياسة عمرانية فاشلة، وإدارة رقابية غائبة، وتقاعس عن تطبيق القوانين التي تحظر البناء في المناطق المعرضة للخطر. الفيضانات لم تقتل أربعة أشخاص فقط؛ بل كشفت، مرة أخرى، عن عمق الخلل المؤسسي الذي يجعل الدولة عاجزة عن حماية أرواح مواطنيها من خطر كان بالإمكان توقعه والتخفيف من آثاره
وقع التغيّر المناخي على تونس
تتحول الأمطار في تونس من عامل إنعاش وخصوبة إلى مصدر دمار متكرر، في ظاهرة تعكس تحولاً جذرياً في النظام المناخي للبلاد. فالتغير المناخي العالمي يضرب تونس بقوة كغيرها من البلدان، حيث سجّلت البلاد ارتفاعاً في درجات الحرارة بلغ 1.2 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، وهو معدل يفوق المتوسط العالمي. هذا الاحترار المتسارع أعاد تشكيل دورة المياه الطبيعية، فأصبحت الأمطار تتهاطل بكميات هائلة خلال فترات زمنية قصيرة بدلاً من التوزع المتوازن على مدار الفصل المطري.
وتكشف البيانات المناخية المسجلة في تونس تحولاً خطيراً في نمط هطول الأمطار، إذ أنّ 80% من إجمالي الأمطار السنوية أصبحت تهطل في غضون 15 إلى 20 يوماً فقط، مقارنة بـ 40 إلى 50 يوماً في ثمانينيات القرن الماضي. كما ارتفعت كثافة الأمطار القصوى من 20 ملم في الساعة إلى أكثر من 60 ملم في الساعة ,هذا يعني أن كميات مائية كانت تتساقط على مدى شهر كامل أو أكثر أصبحت تتركز في سويعات قليلة، مما يحولها من مصدر تغذية للتربة والخزانات الجوفية إلى سيول مدمرة.
وتعود الأسباب العلمية وراء هذه التحولات إلى ارتفاع حرارة البحر الأبيض المتوسط بمعدل 0.4 درجة مئوية كل عقد، مما يزيد من تبخر المياه وارتفاع قدرة الغلاف الجوي على حمل الرطوبة بنسبة 7% لكل درجة حرارة إضافية. هذه الظروف تؤدي إلى تشكل عواصف رعدية عنيفة تطلق كميات هائلة من الأمطار في وقت قصير، كما حدث في يناير 2026 حين سجلت بعض المناطق 400 ملم في أقل من 24 ساعة.
كلّ هذا يؤدي إلى نتائج مأساوية إذ أن تونس، التي تعاني أصلاً من شح مائي متزايد مع انخفاض أمطارها السنوية بنسبة 15-20%، تواجه فيضانات متكررة تدمر البنية التحتية وتزهق الأرواح. الفيضانات لم تعد حدثاً استثنائياً بل أصبحت نمطاً مناخياً جديداً، حيث تشير التوقعات إلى زيادة بنسبة 40% في أحداث الأمطار الشديدة بحلول عام 2050. وهكذا، يتحول المطر في تونس من رمز للحياة إلى تهديد وجودي، في مفارقة مناخية تجسد تحدي العصر: بلد يعاني من العطش المزمن يغرق بشكل متكرر تحت أمطاره.
البنية التحتية المنهارة والبناء العشوائي أسباب متجذرة لكوارث الفيضانات في تونس
تونس تغرق، ليس فقط بسبب أمطار غزيرة، بل بفعل نظام بنيوي متداعٍ يحوّل كل موجة شتوية إلى كارثة. فيضانات جانفي 2026، التي اجتاحت 15 ولاية وخلّفت ضحايا وشللاً كاملاً، ليست حدثاً طبيعياً عشوائياً، بل نتيجة تراكمات دامت عقوداً: شبكات تصريف قديمة، تمويل منعدم، وبناء عشوائي على ضفاف الأودية. الانهيار يبدأ من الأساسيات. معظم أنابيب تصريف مياه الأمطار في تونس الكبرى وسوسة وصفاقس يعود تاريخها إلى الستينيات، صُممت لـ20 ملم ، بينما اليوم تتجاوز الأمطار 60 ملم في ساعات معدودة. ديوان التطهير يصرخ بأرقام مرعبة: 73% من مضخات الضخ معطلة، 65% من القنوات مغلقة بنفايات متراكمة، ولم يُجرَ جرد شامل منذ 2004. أما الأحياء الجديدة في الضواحي، فـ40% منها بلا تصريف أصلاً، و25% مبنية فوق مجاري قديمة، وبذلك تصبح الشوارع أنهاراً جارفة عند هطول الأمطار. كما أنّ ضعف الاعتمادات المرصودة تساهم في تعميق هذه الأزمة، إذ أنّ الميزانية السنوية لصيانة البنية التحتية لا تتجاوز 0.3% من الناتج المحلي، في حين أنّ التوصيات العالمية تشجّع على أن لا تقلّ ميزاينة الصيانة عن 2% من الناتج المحلّي.
كما تُجبر 80% من البلديات التي توصف بأنها الأفقر على تحويل 60% من الاعتمادات المخصصة لشبكات تصريف المياه نحو تغطية النفقات التشغيلية العاجلة كالرواتب والخدمات اليومية.
هذه الوضعية المالية المُزرية تؤدي مباشرة إلى تجميد 40% من مشاريع الإصلاح والصيانة الوقائية قبل أن تبدأ، مما يحصر عمل هذه البلديات في نمط رد الفعل والإصلاحات الطارئة التي تلي وقوع الكارثة، بدلاً من اعتماد منهجية استباقية.
وعلى الصعيد العمراني، ينتشر البناء العشوائي كوباء يخترق كل الضوابط. فقانون التهيئة الترابية الصادر عام 1994 يحظر بوضوح إقامة أي منشآت في المناطق المصنفة "خطرة" والمعرضة للفيضانات، لكن الواقع يشهد خرقاً منهجياً لهذا الحظر، حيث صُدِّر حوالي 65% من التراخيص البلدية الجديدة في السنوات الأخيرة تحديداً في تلك المناطق المحظورة. واليوم، يمكن رصد أكثر من 120 تجزئة وتجمع سكني جديد تقتحم أحواض الأودية الجافة، في تجاهل تام للمخاطر المحدقة، فيما تتغافل 85% من البلديات عن إجراء أو طلب الدراسات الهيدرولوجية والجيوتقنية اللازمة قبل منح رخص البناء. يبلغ التحدي ذروته في ضواحي المدن الكبرى، حيث يُقام 70% من المباني الجديدة دون أي تقييم لمدى تعرضها للمخاطر البيئية أو تأثيرها على المجاري المائية الطبيعية، مما يحول هذه المسارات المائية مع الوقت إلى مصائد قاتلة عند أول هطول مطري.
هذه السلسلة من الإخفاقات ليست قدراً محتوماً أو نتيجة حتمية لقوى الطبيعة، بل هي في جوهرها محصلة لخيارات سياسية وإدارية فاشلة. إذ تنفق الدولة على الحملات الدعائية والإعلامية أكثر مما تنفق على تطوير البنية التحتية الحيوية من خنادق تصريف وأنابيب وشبكات مياه، وتفضل خطابات التطمين في أعقاب الكوارث على العمل الدؤوب للتنفيذ الميداني، وتلتزم بنموذج العلاج المتأخر والتأهب لمواجهة الأزمات بعد وقوعها بدلاً من الاستثمار في التخطيط الاستباقي الذي يمنعها. وبهذا، يتحول كل فصل شتاء إلى محك حقيقي واختبار متكرر لإرادة الدولة وجدية مؤسساتها، يطرح سؤالاً مصيرياً: هل ستتمكن تونس من إصلاح بنيتها التحتية وهيكلها العمراني المنكسر قبل أن تنغمر وتغرق تحت وطأة إخفاقاتها هي نفسها؟
إدارة الأزمة بين الظهور الإعلامي والعجز الميداني
تعامل النظام الحالي برئاسة رئيس الجمهورية قيس سعيد مع كارثة الفيضانات الأخيرة يجسد التناقض بين الخطاب الثوري الشعبي والأداء المؤسسي العاجز. فبينما يصوّر الرئيس نفسه كـ"رئيس الشعب" الذي يتفقد المنكوبين ويهدد المسؤولين المقصرين، تبقى المؤسسات تحت قيادته غارقة في نفس الإشكاليات البنيوية التي ورثها عن الأنظمة السابقة.
المشهد الذي قاده الرئيس شخصياً في المكنين ونابل لم يكن استثناءً: زيارة ميدانية دراماتيكية، خطاب غاضب يوجه فيه الاتهام للمسؤولين المحليين، ووعود بإجراءات صارمة. لكن هذا العرض التلفزيوني يخفي حقيقة واضحة ان السلطة الحالية لم تحرز أي تقدم جوهري في معالجة أسباب الفيضانات. بل إن مركزية القرار المفرطة التي يمارسها أعاقت عمل المؤسسات، حيث تنتظر الوزارات والبلديات توجيهات مباشرة من الرئاسة للتحرك، حتى في الأمور الروتينية كصيانة شبكات التصريف.
خطاب الرئيس الذي يحمّل "الفساد" و"الإهمال" مسؤولية الكارثة يتجاهل حقيقة أن نظامه لم يقدم بديلاً مؤسسياً عن النظام السابق. فالمجلات والقوانين التي تحكم التخطيط العمراني وإدارة المياه هي نفسها منذ التسعينيات، والبنية التحتية المتدهورة هي ذاتها، وحتى آليات التنسيق بين الوزارات ما زالت مفككة. الاختلاف الوحيد هو أن المسؤولية أصبحت أكثر تشتتاً في ظل غياب مؤسسات تشريعية ورقابية فاعلة.
الأكثر إثارة للقلق هو تحويل الكارثة إلى منصة للخطاب الشعبوي. فتهديد الرئيس بمحاكمة المسؤولين يأتي بعد سنوات من تعطيل الحياة البلدية تحت ذريعة "التطهير".
فعلى الأرض، يدفع المواطن ثمن هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة. ففي ظل حكم سعيد، تدهورت قدرات البلديات مالياً وإدارياً، بينما ازدادت المركزية في اتخاذ القرار. المشاريع الصغيرة لصيانة شبكات التصريف تعطلت بسبب تعقيد الإجراءات وانتظار الموافقات من الإدارة المركزية. وفي الوقت نفسه، استمر البناء العشوائي في الضواحي لأن الدولة لم توفر بدائل سكنية منظمة، ولم تنفذ سياسات عمرانية بديلة.
وتستمرّ الدولة في عدم تقديم نموذج حوكمة بديل يحمي هؤلاء البسطاء من كوارث متوقعة. فخطاب التطهير والتغيير لم تتم ترجمته إلى إصلاح مؤسسي حقيقي، بل تحول إلى شماعة تُعلق عليها إخفاقات النظام. الفيضانات كشفت أن "الرئيس الشعبوي" يفضل الحلول الاستعراضية على الإصلاحات الهيكلية، ويستثمر في الصورة الإعلامية أكثر من الاستثمار في البنية التحتية.
المواطن التونسي الذي عانى من الفيضانات يرى التناقض بوضوح: رئيس الجمهورية يتحدث عن الثورة والتغيير، بينما يعاني من شبكات صرف عائدة لعصر بن علي، وقوانين تعمير من عهد بورقيبة، وأساليب إدارة تعود لمرحلة ما قبل الاستقلال. السؤال الحقيقي ليس كم مرة سيزور الرئيس المناطق المنكوبة، بل متى ستبدأ مؤسسات الدولة تحت قيادته في العمل بشكل منهجي لمنع الكوارث بدل الاكتفاء بإدارتها إعلامياً بعد وقوعها.